أبي منصور الماتريدي

394

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

النار بنوره في ظلمة الليل . وكذلك السالك في ظلمة الليل ، فلما ذهب نوره - أو سكن لمعان البرق - رجع إلى ما فيه من الظلمة . والأصل في هذا الباب : أن الله تعالى خلق هذه الدار لمحنة أهلها ، وجعل لهم دارا يجزيهم فيها ، مما لولا هي لكان يكون خلق هذه الدار بما فيها عبثا ؛ إذ يكون خلق الخلق للفناء بلا عواقب لهم ، وذلك عبث في العقول ؛ لأن كل شارع - فيما لا عاقبة له - عابث ، وفيما لا يريد معنى يكون في العقل هازل ؛ ولذلك قال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] . فإذا كان كذلك صارت هذه الدار دليل الأخرى ؛ فعلى ذلك ضرب للأخرى مثلا بالمعروف من هذه ؛ إذ بهذه عرفت تلك ؛ ولهذا خلق الله الممتحنين بحيث يألمون ويتلذذون ؛ ليعرفوا قدر الآلام التي بها أوعدوا ، واللذات التي فيها رغبوا . فعلى ذلك ضرب الله مثل من عمى عن الآخرة ، وصم عن سماع ما يرغب فيها ، أو عمى عن أمر الله ونهيه ، أو ألحق بالأعمى ، والأصم ، والميت ونحو ذلك ؛ لذهاب منافع البصر والسمع والحياة ؛ إذ هي مخلوقة ليعرف بها ما غاب عنها بالتأمل والتدبر . فإذا غفل عن ذلك سمى بالذي ذكرنا . وبينا أنه لولا الآخرة ودار الجزاء ، لم يكن لخلق شئ من ذلك حكمة نعقلها نحن . فعلى ذلك ضرب المثل لذهاب نور القلب - الذي به يبصر العواقب وينتفع بها - بذهاب نور البصر ، في زوال منافع الدنيا مما يتصل بنوره ، وكذلك أمر السمع وغيره . فكان على ذلك أمكن إخراج المثلين جميعا على الكفرة والمنافقين . أما المنافق فإذا ذهب نور حقيقته عنه - وهو نور البصر - لم ينتفع بنور النار على قيام النار بنورها لكل ذي بصر ، وكذلك سائر منافع النار ؛ فمثله إذا ذهب عنه نور بصر القلب

--> - ثقة دينا فاضلا وله تصانيف منها : غريب القرآن ، غريب الحديث ، كتاب المعارف ، كتاب مشكل القرآن ، كتاب مشكل الحديث ، كتاب أدب الكاتب ، كتاب عيون الأخبار ، كتاب طبقات الشعراء ، كتاب إصلاح الغلط ، كتاب الفرس ، كتاب الهجو ، كتاب المسائل ، كتاب أعلام النبوة ، كتاب الميسر ، كتاب الإبل ، كتاب الوحش ، كتاب الرؤيا ، كتاب الفقه ، كتاب معاني الشعر ، كتاب جامع النحو ، كتاب الصيام ، كتاب أدب القاضي ، كتاب الرد على من يقول بخلق القرآن . مات فجاءة ، صاح صيحة سمعت من بعد ، ثم أغمي عليه ، وكان أكل هريسة فأصاب حرارة ، فبقى إلى الظهر ، ثم اضطرب ساعة ، ثم هدأ ، فما زال يتشهد إلى السحر ، ومات وذلك في شهر رجب ، سنة ست وسبعين ومائتين . ينظر : سير أعلام النبلاء ( 13 / 296 ، 297 ) ، ( 13 / 300 ) .